|
بسم الله الرحمن
الرحيم
لمحة
تاريخية:
الحقيقة أن جذور "الصناعة المعجمية" تضرب عميقا أطنباً لها في
تراثنا العربي و الإسلامي منذ عهد النهضة الإسلامية…حيث ظهرت
جملة من المعاجم الأحادية اللغة( عربي/عربي) منها على سبيل
المثال لا الحصر: "لسان العرب"
لابن
منظور الأفريقي المصري، و"البارع في اللغة" لإسماعيل القالي
البغدادي، و
"القاموس
المحيط" للفيروز آبادي…وغيرها. بل إن بدايات القواميس و المعاجم
"المتخصصة"
قد ظهرت خلال تلك الفترة، حيث وضع ياقوت الحموي معجميه الشهيران
"معجم البلدان" و"معجم الأدباء" ،و كذلك ظهرت موسوعة" اللباب في
تهذيب الأنساب" للجزري وكذا معجم ألفاظ القرآن الكريم و الحديث
الشريف.( المحزن المفرح في آن معا هو أن أفضل معجم مفهرس لألفاظ
الحديث الشريف وضعه مستشرقان هما: ونسنك وَ منسنج و ذلك بمساعدات
مالية من بعض المجامع العلمية الاجنبيه عام 1970!!!) وفي بدايات
عصر النهضة الحديثة ظهرت في بعض بلدان العالم العربي قواميس
ثنائية اللغة(عربي/إنجليزي)
حيث
ظهر عام 1911 في القاهرة قاموس المرحوم الدكتور خليل سعادة، ثم
أعقبه عام 1931 في القاهرة أيضا قاموس الأستاذ/ إلياس إنطون
إلياس…ثم ظهر قاموس "النهضة" للعلامة إسما!
عيل
مظهر عام 1957 ثم "المورد" لمنير البعلبكي عام 1967، ثم توالت
بعد ذلك القواميس و الموسوعات المتخصصة في حقول الطب و الهندسة و
الطيران و الأدب و غيرها.
كما
وأن أهل اللغة الإنجليزية أنفسهم قد نشطوا في وضع معاجم و قواميس
ضخمة جدا للغتهم الأم ( أحادية اللغة)تضم ألوفا مؤلفة من الكلمات
و التعابير المختلفة، ثم ما لبثوا أن اختصروها على شكل قواميس
صغيرةa
bridged )
يسهل
حملها و التعامل معها. و لعل قاموسي العلامة الأمريكي الأشهر
"نوح وبستر" (وضع وبستر قاموسه هذا أبان بدايات تأسيس الولايات
المتحدة ومحاولة الرجل الأمريكي البحث عن هوية تميزه عن أسلافه
الذين تركهم للتو في اوروبه و خصوصا في بريطانيا و أيرلندة)
،وقاموس أكسفورد البريطاني هما الأشهر في هذا الصدد. بل إن هذا
التوسع في الصناعة المعجمية قد نقلها من عالم الورق التقليدي إلى
عالم الأجهزة الإلكترونية حيث ظهرت أجهزة متناهية في الصغر و ذات
قدرات تخزينية خرافية تضم ألوف المفردات و التعابير ، وكذا في
عالم الإنترنت حيث لا يكاد اليوم يخلو موقع من المواقع المرجعية
المعتبرة من قاموس أحادي أو ثنائي اللغة . لا بل قد ظهرت برامج ح!
اسب
تقوم بالترجمة الآلية المباشرة من لغة لأخرى( تعتمد مثل هذه
البرامج على النظرة القائلة أن هناك طريقة وأسلوبا لتركيب البُنى
النحوية يمكن تطبيقها على "كل" لغات الأرض وقد قال بهذا العالم
اللغسياسي الأمريكي المعروف ناعوم تشومسكي-يهودي هاجر إلى فلسطين
ثم غادرها ليعبر عن تحفظه اتجاه إسرائيل وعلاقتها باليهودية
كديـن )على أن هذه البرامج لا تزال في بداياتها وفي حاجة إلى
مزيد من التطوير. خلاصة القول هي إن صناعة القواميس و المعاجم
على اختلاف أحجامها و أنواعها و تخصصاتها كانت و ستظل خير سند
لمن يريد اكتساب(تعلم)
لغة
أخرى..فهي مفتاح لكنوز اللغة الثمينة و مدخل لبحر المعارف…تختصر
الجهد والوقت.
ولعلنا
في التالي من الأسطر نحاول بعون الله تعالى أن نسلط الضوء أو
بعضه على دور هذه الصناعة في تعزيز وتدعيم عمليه اكتساب (تعلم)
اللغة الاجنبيه(
الثانية).
بعض
الآثار الإيجابية للاستخدام الفاعل للقاموس:
أظن
أنني سأزعم أن الاستخدام الفاعل و اليومي للقاموس من قبل متعلم
اللغة الثانية(الأجنبية)
له من
الآثار الإيجابية الشيء الكثير مما يمكن في تصوري اختصاره في
النقطتين أدناه:
1.
يُعد
القاموس عنصراً فاعلا في إثراء الخلفية اللغوية و المعلوماتية
لطالب اللغة، فالقاموس كما لا يخفى بحر هادر من العلوم و المعارف
التي قد يضن الوقت و الجهد على المسهل في توضيحها كلها للطالب
أثناء الدرس ، فبعض القواميس يحوى معلومات نادرة عن أصل منشأ
الكلمة والتغيرات التي قد تكون قد طرأت عليها ، بل وطريقة
تصويتها وتهجئتها ومعانيها و طريقة استخدامها…كما وأن بعض
القواميس يضم بين دفتيه معلومات عن المفردة كونها حديثه مستخدمة
أو مُمات لا تستخدم أو قديمة غير مُمات أو نادرة الاستخدام…إلخ.
كما و يذيل بعض أصحاب القواميس أسفارهم هذه بملخصات نحوية هامة
بل وحتى طرائق قياسات الأبعاد المختلفة قد تجد لها حيزا في بعض
القواميس الكبيرة.
2.
التعود
على استعمال القاموس وبشكل يومي يربي في شخصية الطالب الشعور
بالاستقلالية، وينمي فيه حب البحث عن المعرفة بنفسه وهذا أرقى
أنواع التعلم و أرسخها، ولو لم يكن للقاموس إلا هذه الفضيلة
لكفاه فخراً! وهي نقطة ترتبط وبشكل مباشر بالدور الجديد الذي
ينبغي أن يلعبه المسهل الحديث داخل الفصل، حيث تتواتر نتائج
الأبحاث و الدراسات المختلفة على أن الطالب لا الكتاب و لا
المسهل و لا حتى الإدارة ينبغي أن يكون أُس العمل
التعلمي/التعليمي.
دور
القاموس في تعزيز اكتساب/تعلم اللغة الإنجليزية:
حديثاً
لا يكاد أحدٌ من مصممي أي كتاب جديد في مجال تعلم/اكتساب اللغة
الإنجليزية بشقيها العام و المتخصص يغفل الدور الحقيقي الذي
ينبغي أن يلعبه القاموس في تدعيم اكتساب/تعلم اللغة و استثمار
الوقت و الجهد داخل الفصل بما يسرع من عملية تعلم/اكتساب اللغة و
يطيل فترة احتباسها. إلا أن واقع الحال داخل الصفوف الدراسية في
مدارسنا المحلية عموما يقول شيئاً آخراً، فالمعلم(لي تحفظ على
استخدام هذا المصطلح لا مجال للتوسع فيه في هذه العجالة) لا يزال
يصر على التمسك بدورة التقليدي كمصدر وحيد للمعلومة داخل الفصل
مغفلا أهمية إفساح المجال للطالب في حثه على استخدام قاموسه و
المشاركة في البحث عن الحقيقة المطلوبة بنفسه ، فعلى سبيل المثال
و حين تدريس مفردات جديدة يصر ذلك المعلم التقليدي على المبادرة
"بمنح"
الطلبة المعنى المنشود للمفردة بنفسه و على "طبق" من الراحة لا
يبذل الطالب حتى في "تناوله" أي جهد فتكون نتيجة طريقة التدريس
هذه (إن صح تسميتها طريقة)
مخرجات
مكرورة و سلبية تعتمد على "معلمها" في كل شيء و ذات تحصيل جد
منخفض. وعليه فإنني في هذه العجالة سأحاول اقتراح بعض النقاط
التي يمكن من
!
خلالها
تفعيل دور القاموس أثناء العمل المدرسي اليومي:
1.
بداية
يجب اختيار القاموس المناسب من ناحية مستوى المتلقي ونوعية
التخصص(لغة عامة - لغة متخصصة كالطب والهندسة والحاسب…إلخ) ،
وحجم القاموس ونوعيته(كتاب، آلة صغير، موقع في الإنترنت…إلخ).
وإن كنت أرى، ومن واقع الخبرة، أن يبدأ متعلم اللغة بالقواميس
ثنائية اللغة(عربي/إنكليزي) ذلك أنه خلال هذه المرحلة التأسيسية
في حاجة لمعرفة المقابل(
نفترض
جدلا هنا أن هناك أصلا مقابل في اللغة المنشودة لكل مفردة في لغة
الطالب الأم) للمفردة المعنية، وحينما يتقدم به التحصيل وتزداد
حصيلته اللغوية من المفردات و المعاني المقابلة يستبدل ذلك
القاموس بآخر أحادي اللغة(إنجليزي/إنجليزي) ليزداد بذلك تحصيله
من اللغة المنشود تعلمها/اكتسابها.
2.
تتفق
قواميس اللغة كلها في إتباعها منهجية موحدة في تصنيفاتها لكل
موجوداتها، وهي اعتمادها منهجية الترتيب الألفبائي الهجائي…ومن
هنا تأتي أهمية معرفة المتلقي بالترتيب الصحيح للحروف الهجائية
في اللغة المنشودة، وذلك قبل الشروع في توظيف ذلك القاموس داخل
الفصل الدراسي.
3.
ينبغي
على المتلقي وبتوجيه من المسهل أن يقوم الآن بالتعرف على
المحتويات الخاصة بذلك القاموس المزمع توظيفه في تسهيل و تسريع
عملية تحصيل اللغة.
وحقيقٌ
بنا أن نذكر في هذه العجالة أن لكل قاموس منهجية و خصوصية يتميز
بها عن
غيرة. فبعض القواميس يوظف رموزاً خاصةً (
تختلف من قاموس لآخر) توضح كيفية تصويت
المفردة
المصنفة ، وبعضها يستخدم رموزاً خاصةً بالتسلسل التأريخي و أصل
منشأ الكلمة
و
نوعها…إلخ.
44.
هناك
مجموعة من الأنشطة التي تصمم خصيصا للتدرب على استخدام القاموس
استخداما فاعلا يجعله كالصديق الوفي المفيد بالنسبة لمتعلم اللغة.
والحقيقة أن المقام قد لا يسعفنا في هذه العجالة للوقوف على
طبيعة تلك الأنشطة تفصيلاً، بل يكفي أن نشير الى أنها تعتمد في
مجملها على تدريب المتلقي أولاً على الترتيب الهجائي في اللغة
المنشودة ثم تأخذه بعد ذلك في جولة تعريفية حول موجودات ذلك
القاموس و الآليات المثلى للتعامل معها.
5.
بعد
الفراغ من هذه الترتيبات و التدريبات السابقة وبعد أن يطمئن
المسهل إلى إلمام تلاميذه بالآلية الصحيحة لاستخدام القاموس…يشرع
في حث طلابه على استعماله بأنفسهم داخل الفصل وبشكل يومي ،كما
وأن عليه أن يتريث إذا ما سأله أحد الطلبة عن مفردة معينة فيحثه
على البحث عن بغيته بنفسه أولا قبل أن يعطيه مقصده ، ليتمثل بذلك
المسهل دوره الحقيقي بمفهومه الحديث كمسهل لحصول الطالب على
المعلومة لا ملقن لها.
إنني على
يقين أن
إتباع هذه
الخطوات قبل الشروع في توظيف القاموس كفيلٌ بؤد حالة التململ و
الضجر
التي قد
يبديها بعض المتلقين خصوصا في بدء تعاملهم مع القاموس بسبب صعوبة
التعامل
معه و فهم
آلية عمله.
محاذير
الاستخدام العشوائي للقواميس:
هناك جملة
من
الأمور
التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار قبل الشروع باستعمال القاموس
وذلك لضمان
تحقق
الأهداف المرجوة من استعمال القاموس، و يمكن إجمالها في هذه
العجالة بما يلي:
1. لعله
من نافلة القول أن نذكر هاهنا بأن من أهم واجبات المسهل في هذا
الصدد
هو عدم
الشروع في استخدام القاموس قبل أن يتيقن من إتقان جميع طلابه
لمهارات
استخدام
القاموس ، ذلك أن هناك احتمالية كبيرة بتحول القاموس في مثل هذه
الحالة إلى
أداة قتل
لهمة الطالب وزرع للملل و السآمة في نفسه و وسيلة تنفير من
مفردات المقرر
وذلك إذا
ما أُجبر الطالب على التعامل مع القاموس دون أن يكون قد أعد له
الإعداد
اللازم.
2.
على
الطالب داخل الفصل أن يعرف الوقت المناسب لاستخدام القاموس، فلا
يشغل نفسه بتصفحه أثناء انهماك المسهل بالشرح مثلاً.
3.
من
الواضح أن المفردات التي يحويها القاموس بين دفتيه هي في الغالب
مفردات "جامدة" مفرغة في الحقيقة من
(الدلالة)
بمعناها الحقيقي: الارتباط ما بين موجودات الواقع و التصويت، إذ
لا يتضح معنىً لها، على الأقل بالنسبة لدارس اللغة كلغة
ثانية/أجنبية ،إلا من خلال وضعها في جملة تكون من الناحية
النحوية و دلالات النص "صحيحة مقبولة "(حسب فهم المتحدث بتلك
اللغة كلغة أم). وعليه فإن مستخدم القاموس ينبغي أن يحذر من
النقل التلقائي لموجودات القاموس مالم يتأكد من فهم كل دلالات
تلك المفردة.
4.
على
مستعمل القاموس أن يدرك حقيقة أخرى و هي أن "المقابل العربي مهما
يكن دقيقاً قد لا يكفي لتوضيح المراد أو لحصره في الحدود التي
رسمتها له المعجمات" وهذا يعني أن المستعين بالقاموس يلزمه في
الواقع أن يحذر من النقل التلقائي للمفردة الإنكليزية من القاموس
دون أن يمحص معناها الحقيقي حتى لا يقع ضحية لسوء الفهم ،كما هو
حال صاحبنا الذي حينما أعياه الاختبار وأراد أن يشعر أستاذ
المادة بصعوبة اختباره قال
THE TEST WAS ABOVE MY WINDOW:
ختاما…
لا
أستطيع قبل إطراح القلم إلا أن أؤكد أن تطور الصناعة المعجمية
اليوم يضعنا كمربين وكصانعي أجيال مسهلين للعمل التعلمي/التعليمي
داخل فصولنا الدراسية أمام تحديات جديدة تجعلنا نفكر و بعمق في
البحث عن مزيد من الآليات التي يمكن إعمالها داخل الفصل وربما
خارجه من أجل الاستثمار الأمثل لمعطيات هذه الصناعة
الناشئة..لعلها دعوة نزجيها عبر هذه الوريقات إلى المهتمين من
أهل "التجريب"
لا "التنظير" لعمل مزيد من البحوث و الدراسات في هذا الصدد. |